الجزء الأول

أصواتٌ صاخبة تسللت من مكانٍ ما قريب، رفعت وسادتها لتغطي أذنيها بضيق. ما هذا الإزعاج؟ ألا يمكن للمرء أن يغفو قليلاً دون أن يقلق أحد راحته؟

عبثاً حاولت جاهدةً أن تستعيده لكنّ النوم كان قد تخلى عنها تماماً. شعرت بعد برهة بباب الغرفة ينفتح، وأحست به يتسلل للداخل، كتمت ابتسامتها وهي تغمض عينيها مدعيةً غرقها في النوم، وغفلتها عن سماعها لصوت خطواته المتسللة التي تقترب منها. شعرت بأنفاسه المتحمسة وضحكته المكتومة بينما يتسلق الفراش بصعوبة، وزحف بعدها حتى أصبح قربها. لم تستطع الادعاء أكثر، وخانها تأوهٌ متوجع، حين قفز بجسده الصغير فوقها هاتفاً بصوته الطفولي الناعم
"ماما... ماما اصحي"

زمت جفنيها لكنّه كعادته أصر على فتحهما لها لتضحك هاتفة

"استيقظت .. تمام استيقظت"

ضحكاته العذبة تعالت لتنهض ممسكة بجسده الضئيل وقلبته على الفراش لتهجم عليه مدغدغة
"عفريتي الشقي .. قلنا توقف عن هذه الحركات"

تلوى محاولاً الفرار من أصابعها لاهثاً بكلمات غير مفهومة امتزجت بضحكاته، بينما يتوسلها أن تتوقف .. توقفت أخيراً لتحتضنه مقبلةً خده بقوة
"أين أذهب من شقاوتك هذه، هه؟ .. قل لي"

ردد كلماتٍ مكسرة مذيباً قلبها أكثر، قبل أن يقفز من جوارها مع دخول والده للغرفة ليندفع إليه .. احتضن ساقه بكلتا ذراعيه، لينحني والده ويرفعه مقبلاً
"هل أيقظكِ هذا المزعج؟"

والتفت إليه مكملاً بلوم مفتعل

"ألم أقل لك لا تزعج ماما وأنا وأنت سنقوم بكل شيء؟"
ضحكت وهي تنهض من الفراش
"المهم أنّ ماما استيقظت في النهاية .. أخبراني .. ماذا كنتما تخططان من دوني؟"
تبادل الاثنان نظرة ماكرة، فقاومت ابتسامتها وهي تنظر للنسختين المتشابهتين أمامها .. الابن كأبيه تماماً .. تنهدت متخصرة ترمقهما بنظرات ضيقة ليضحك زوجها وهو يغادر
"إنّها مفاجأة .. أليس كذلك يا نور؟"
صفق كفيه هاتفاً

"مفاجأة"

"صحيح يا حبيب بابا .. مفاجأة ولن نخبر عنها ماما"

قال زوجها رامياً نحوها بغمزة ثم أخبرها وهو يحمل ابنهما ويغادر
"لا تذهبي للنوم مرة أخرى يا زوجتي الحبيبة .. لدينا يوم طويل ومهم"
قطبت بتساؤل فأرسل لها قبلة في الهواء مع ابتسامته الحبيبة ليطبع ابنها قبلة على كفه الصغير مقلداً والده ويرسلها إليها .. ضحكت والاثنان يغادران الغرفة وأسرعت تلملم شعرها وتغادر خلفهما لتعرف ما يخططان.

بحثت عنهما ما أن غادرت الغرفة وأتاها صوتهما من ناحية المطبخ فأسرعت إليه

"ما هذا؟"

هتفت بصدمة وهي تدخل المطبخ الذي بدا وكأن إعصاراً عنيفاً ضربه .. الدقيق متناثر في كل مكان .. أحشاء المطبخ كلها خارجه .. الصواني والملاعق .. نظرت بذهول لقشور البيض الملقاة على الطاولة التي اتسخت ببقايا السمن والكريمة وأشياء أخرى لا تعرف ماهيتها .. رفعت عينيها بصدمة للمذنبين أمامها

"هذه هي المفاجأة؟"

ضحك الاثنان وقال زوجها بمرح

"عيد أم سعيد حبيبتي"

وحاول طفلها تقليد كلماته .. انحنت قليلاً مستندة للطاولة، ممسكة بقلبها

"من ناحية سعيد فهو سعيد فعلاً"

ورمقتهما بعينين دامعتين

"من سيرتب كل هذه الفوضى؟"

اقترب ليقبل خدها وهو يحمل ابنهما الذي مال ليقبل خدها هو الآخر ثم يربت عليه بكفه الرقيقة

"لا تغضبي يا عمري .. أحببنا أن نسعدكِ فقط'

رمقته بنظرة متنمرة ثم هتفت وهي تدفعهما للخارج

"شكراً على المفاجأة والسعادة .. أنا غارقة فيها لأنفي .. والآن اخرجا .. لأرى كيف سأصلح هذه الكارثة"

ضحكا وهي تواصل دفعهما ليقول زوجها من عند الباب

"صحيح .. خيراً تعمل شراً تلقى"

هتفت وهي تصفع الباب خلفهما

"شاكرة أفضالكما"

أتاها هتافه من الخارج

"لا تتأخري وإلا سنلتهم الكعكة كلها وحدنا"

هتفت بجزع مفتعل

"انتظرا حتى أطلب الإسعاف أولاً"

وصلتها ضحكاته تلتها ضحكات صغيرها يقلده دون أن يفهم النكتة، فتبسمت بيأس وهزت كتفيها متنهدة

"حسناً .. ما باليد حيلة"

وشمرت عن ذراعيها لتبدأ في علاج الكارثة التي سبباها.

****************

تململت بضيق وهي تنظر نحو النافذة التي دخلت منها الضوضاء المزعجة ولم تحتمل أكثر .. نهضت لتغلقها بعد أن ألقت نظرة خارجها .. تنهدت براحة ما أن اختفت الضوضاء وعادت إلى مكانها .. أخيراً هدوء .. أغمضت عينيها براحة وهي تسترخي في نومتها على الأريكة الوثيرة .. لا أفضل من كوب منعش من الشاي بالنعناع الأخضر في هذا الهدوء الجميل، وفي صحبة كتاب مشوق .. طفلها الحبيب يجلس قربها على السجادة، غارقاً بين ألوانه وألعابه .. في العادة الأطفال صاخبون لكنّه كان هادئاً أغلب وقته، حتى في أوقات لعبه .. ابتسمت بحنان وهي تتأمله مندمجٌ بشدة في الرسم وسافر عقلها للمستقبل .. رأته بخيالها رساماً مشهوراً ورأت نفسها تقف فخورةً به تشاركه وأبوه فرحة نجاحه .. اتسعت ابتسامتها وعادت من المستقبل لتتابع قراءة الكتاب، ليقاطعها صغيرها بعد دقائق قليلة حين نهض مسرعاً إليها

"انظري ماما .. ماذا رسمت؟"

وضعت الكتاب من يدها لتنظر للورقة التي يحملها والتي رفعها نحوها في خجل لذيذ

"الله .. جميلة جداً يا حبيبي"

هتفت بحبور وحماس مشجع وهي تنظر لرسمته الملونة .. شخبطة طفولية لذيذة مثله .. قاومت ابتسامتها وهي تتأملها وشعرت به يتسلق الأريكة ليجلس جوارها .. تعلق بذراعها ومال ينظر معها .. سألته وهي تتأمل القلب الأخضر الكبير يحتل أعلى الرسمة مظللاً الأشكال الثلاثة الغريبة

"لماذا القلب أخضر؟ القلب أحمر يا نور"

زم شفتيه

"الأخضر حلو"

هزت رأسها مبتسمة فأكمل بابتسامته الحلوة

"وماما تحب الأخضر"

مالت تقبل خده

"صحيح ماما تحب الأخضر"

عادت تنظر للرسمة وأشارت للشكل الغريب، يبدو أطول من الآخريّن

"من هذا؟"

رد بحماس

"إنه بابا"

انفجرت ضاحكة وهي ترى شكل زوجها العزيز والتقطت عيناها دائرتين تحيطان عينيه ففهمت أنّها نظاراته الطبية .. ابتسمت مشيرة للشكل الآخر قائلة بتوقع

"وهذه أنا، صحيح؟"

أومأ بحماس أكبر ثم أشار للشكل الصغير في المنتصف

"هذا نور"

احتضنت وجهه ومالت تداعب أنفه بأنفها

"أحلى نور في الدنيا"

ضحك بسعادة ورفع ذراعيه الصغيرين يتعلق بعنقها ويلقي نفسه في حضنها هاتفاً

"أحبكِ ماما"

ضمته بحب وهمست

"وأنا أحبك يا روح ماما"

****************

تقلبت في فراشها مقطبة بضيق والضوضاء تزداد، وتلك الهزات المتواصلة على كتفها مع صوته يطلب منها أن تصحو، زادتها انزعاجاً، فهمهمت ملوحة بكفها

"دعني أنام"

عاد صوت زوجها يخترق الحجب التي تلف عقلها بكثافة

"أفيقي حبيبتي .. حتى متى ستبقين هكذا؟"

تقلبت مبتعدة عن صوته وغمغمت

"ابتعد .. دعني أنام .. أنا متعبة"

شعرت به يبتعد متنهداً بتعب بعد أن يئس من إيقاظها، لتغرق هي في نومها من جديد واستعادت ابتسامتها في الحال بينما تغرق في أحلامها التي قاطعها.

"ماما .. اصحي"

سمعت صوته الباكي بعد لحظات ففتحت عينيها في الحال وانتفضت مرددة بجزع

"ما الأمر حبيبي؟ .. لماذا تبكي؟"

ارتمى في حضنها معتصراً قلبها بالدموع التي غمرت وجهه

"دم يا ماما"
خفق قلبها وهي تنظر ليده المرفوعة نحوها وتنهدت براحة عندما لمحت خدشاً صغيراً .. مسحت الجرح ومالت تقبله بحنان
"اذهب أيها الألم الشرير"

ثم نفخت برقة ونظرت له هامسة

"هل ذهب؟"

ابتسم من بين دموعه وهو يومئ فاحتضنته ثم نهضت تحمله خارج الغرفة

"جيد .. تعال الآن لنقتل الجراثيم الشريرة قبل أن تهاجم جسد نور"

لمعت عيناه بحماس لتبتسم قائلة
"نور قويٌ وسيحارب الجراثيم ولن يبكي عندما نقتلها، صحيح؟"
وعدها بإيماءة وابتسامة فعانقته بقوة مرددة
"ابني المحارب الشجاع"

***************

تلفتت بضيق نحو النافذة المزعجة التي تصر الضوضاء على التسرب من خلالها .. أغلقتها بحنق وأخذت نفساً عميقاً تطرد مشاعرها السلبية قبل أن تلتفت بابتسامة تشق وجهها .. دمعت عيناها وهي تنظر لصغيرها الواقف متذمراً يحاول فك الزر العلوي لزيه الخاص بروضة الأطفال .. ضحكت وهي تسرع إليه فأخبرها باعتراض طفولي

"لا أحبه"

ضحكت قائلة

"كيف لا تحبه؟ .. ألم تختره بنفسك وقلت أنك تحبه؟"

صمت بشفتيه المزمومتين

"قل الحقيقة .. أنت لا تريد الذهاب إلى الروضة"

سألته بنظراتها الضيقة المصطنعة، فابتسم بشقاوة واقترب ليتعلق بعنقها

"لا أريد .. ستبقين لوحدك"

قرصت خده

"هكذا إذن؟ .. لا تريد تركي لوحدي أيها الشقي؟"

حرك قدمه على الأرض يرمقها بنظراته البريئة .. لم تقاوم ضحكتها أكثر فحررتها وهي تتخلل شعره بأصابعها ترتب خصلاته التي شعثها

"حبيبي سيذهب للروضة حتى يكبر ويتعلم .. العلم نور .. ألم أخبرك؟"

ضحك بمرح لتكمل

"أرأيت؟ .. حتى العلم أخذ اسمك .. لهذا يجب أن تذهب وتتعلم جيداً وتكون متفوقاً .. سأكون أنا وبابا فخورين بك"

وحركت يديها فوق قميصه الصغير تتأمله بتأثر مواصلة

"ستنجح وتنتقل من الروضة إلى المدرسة إن شاء الله .. ثم إلى الجامعة"

ابتسمت وهي ترى نظراته الملولة وكأنه يحاول فهم محاضرتها تلك أو إثناءها عنها .. قرصته مرة أخيرة ونهضت لتجلب هاتفها قائلة بحماس

"والآن .. دعنا نأخذ صورة لأول يوم لك في الروضة"

عبس محتفظاً بزمة شفتيه فتخصرت قائلة بلوم

"ماذا؟ .. هل ستبقى عابساً؟ .. هل تريد أن تترك ماما وحدها وهي حزينة لأنك لم تبتسم لها قبل أن تذهب؟"

احتفى عبوسه في الحال ومنحها أروع ابتساماته وهو يقف حاملاً حقيبته الصغيرة سامحاً لها بالتقاط الصور كما يريد، أسرعت إليه بعدها لتضمه وتلتقط لهما صوراً ذاتية .. أرسلته أخيراً بعد أن سمعت بوق الحافلة المدرسية يضرب من خارج البيت .. نهضت ترافقه للخارج حتى ركب الحافلة ووقفت ملوحة له حتى اختفت الحافلة عن ناظريها فعادت للداخل ليقابلها الهدوء التام .. ارتمت على الفراش شاعرة بالخواء بعد مغادرته وأغمضت عينيها لتغرق في نومها بينما عاد ذلك الصخب يحيطها ويتسلل بإصرار إلى لا وعيها.

********

التعليقات

200

المشاهدات

30,000

الإعجابات

500

شرفنا بوجودك، اشترك من هنا

اقرأ أيضًا

غلاف قصة كلماتُ القدر
كلماتُ القدر

من قبل مجيئنا إلى هذه الدنيا وأقدارُنا قد خُطت كلماتُها على أسطرِ اللوح المحفوظ، وبين جدلية التسيير والتخيير يعيش البشر أقدارهم. كلمات القدر لا تجبرنا...

اقرأ المزيد