الجزء الثاني

ضربات الطبول ازدادت مع الوقت عنفاً في رأسها .. تلوت في نومها ورفعت كفيها تسد أذنيها علّها تمنعها .. شعرت بهزة جديدة لكتفيها وأحدهم يناديها .. يهتف اسمها بإلحاح مزعج .. تجاهلته وهي تشد جسد صغيرها إليها تحتضنه بقوة .. يكفي .. دعوني أنام في هدوء قليلاً .. ما هذا الإزعاج؟ .. بدأت أصوات الطبول تتباعد لتهدأ أعصابها قليلاً لكنّ صوته ظل يناديها .. دفنت وجهها في عنق صغيرها تتنفس عطره متمتمة
"دعني أنام أرجوك .. أنا متعبة"
شهقت فجأة شاعرة بالبرد حين انتزع جسد صغيرها منها بقسوة لتنتفض محاولة الإمساك به .. تسارعت أنفاسها وهي تمد يديها نحو الخيال المظلم الواقف قربها يشد طفلها الباكي بعيداً عنها

"لا تأخذه"
حاولت الصراخ لكنّ صوتها خرج مبحوحاً كأنّها كانت تجري في صحراء مقفرة لأيام .. ابتعد الخيال بينما الكفان المحيطان بعضديها يواصلان هزها
"أفيقي بالله عليكِ .. لا تفعلي هذا بنا .. أفيقي .. يكفي هرباً"

دفعته في صدره وهي تقاوم محاولة اللحاق بصغيرها الذي يبتعد .. كانت مكبلة .. وهو من يكبلها .. يمنعها عن صغيرها .. إنها تكرهه .. لماذا يمنعها؟ .. همست ببحة جرحت حلقها
"دعني .. أنا أكرهك"

تخلت كفاه عنها وارتفعا ليحيطا بخديها .. شعرت بأنفاسه تلامس وجهها ثم بجبينه يستند لخاصتها
"اكرهيني كما تريدين لكن أفيقي من هذا .. افتحي عينيكِ وعودي أرجوكِ"

تعود من أين .. وكيف تعود وتترك ابنها وحده هنا .. هذا المكان مخيف .. عادت عيناها تبحثان عنه لتنهمر دموعها وهي ترفع كفها نحوه
"إنّه يذهب .. نور .. لا تذهب يا صغيري .. عد أرجوك"

شعرت به يغطي عينيها، يمنعها من رؤية صغيرها، فحاولت انتزاع كفه عنهما
"دعني .. نور سيرحل .. دعني ألحقه"

شعرت بدفء ابنها يتسرب مبتعداً بينما يواصل صاحب الصوت هزها
"نور رحل حبيبتي .. لن يعود .. أتوسل إليكِ .. توقفي عن الهرب"

ضربت صدره بغضب ودموعها تنهمر

"كاذب .. أنت تكذب .. لقد سرقته .. أعده لي"

"يكفي حبيبتي .. توقفي عن الاعتراض على قدر الله .. افيقي أرجوكِ"

وصلتها توسلاته تشق قلبها وتوقف عقلها لحظة مع كلماته ..

"لقد استرد الله وديعته عندنا حبيبتي .. لا تسخطي على قدره"

استرد وديعته؟ .. هي تسخط؟ .. هي لم تفعل .. نور لم يرحل عنها .. كان هنا قبل قليل في حضنها .. كيف يقول هذا ..

"أنتِ تؤلمين نور هكذا حبيبتي"

توقفت عن ضرباتها له وقلبها يواصل نزيفه .. شعرت به يضمها بقوة ليغمرها الدفء من جديد مزيحاً عنها البرودة التي تركها ابتعاد صغيرها

"افتحي عينيكِ .. توقفي عن الهرب .. لأجل نور حبيبتي .. ولأجلي"

فتحت عينيها ليقابلها الظلام أولاً ثم شيئاً فشيئاً لمحت صغيرها يقف بعيداً وعيناه عليها .. شعت ابتسامته نوراً تزايد رويداً حتى ملأ المكان .. وصوت زوجها بدأ يزداد وضوحاً في أذنيها وبدأت تتعرف هويته .. ضمها برفق هامساً في أذنها

"قولي الحمد لله حبيبتي .. الحمد لله .. لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى .. نور الآن عند خالقه .. هو في مكان أفضل .. ارضي حبيبتي .. ارضي"

أنّة مذبوحة انطلقت من أعماق روحها خلعت قلبها وقلبه معها .. شعرت به يبعد وجهها لينظر في عينيها اللتين بدأتا تعودان للواقع، لتلمح ضياعها في عينيه .. بدأت تستوعب ببطء .. تدرك العذاب الذي عاشه مضاعفاً وهي غارقة في سجنها الاختياري مع ذكريات صغيرها .. فقدهما المشترك الذي لم تحتمل صدمته فهربت بنفسها .. كان يتمزق معها وهي بعيدة عنه في هلوساتها بابنهما الراحل .. ارتجفت شفتاها بينما يضم رأسها إلى صدره

"لا بأس ستكونين بخير"

انقبضت كفاها تتمسكان به وشهقت مرددة

"نور رحل .. صغيري"

ضمها أكثر لتنفجر باكية بحرقة شديدة آلمته، بينما قلبه خفق براحة رغم انهيارها الذي ازداد .. كانت أول مرة منذ الحادث تستجيب له .. ربت عليها مواصلاً هدهداته الحانية .. يحمد الله أن بدأت تعود أخيراً ..

****************

نامت أخيراً بعد أن أرهقها البكاء بين ذراعيه .. نامت محتضنة ملابس صغيرهما كما اعتادت بعد أن دفنت أنفها فيه تتلمس بقايا رائحته .. هذه المرة لم تغرق في إحدى ذكرياتها معه .. لم تسمع الصخب المرهق .. هذه المرة وجدت نفسها تسير في طريق هاديء تحفه الأشجار من الجانبين والنور يملأ جنباته .. توقفت حين رأت صغيرها أمامها وابتسمت وهي تفتح ذراعيها له ليندفع نحوها .. ضمته باشتياق قبل أن تشعر به يبتعد .. رفع لها ورقة بيده هاتفاً بحماسه المعتاد

"انظري ماما ماذا رسمت"

جلست على ركبتيها توازي طوله ومدت يدها تأخذ الرسمة منه بقلب خافق .. لمحت شخبطته الطفولية الحبيبة فاتسعت ابتسامتها ونظرت له هامسة بحب وهي تشير للثلاثة أشكال مختلفي الطول

"هذا بابا .. وهذه أنا"

وأشارت للشكل الصغير بينهما

"وهذا أنت؟"

لا تعرف لما نطقتها بتساؤل أجابه هو سريعاً بابتسامة واسعة

"لا .. هذا أنا"

قالها مشيراً لقلبٍ أخضر صغير بجناحين يحلق فوق الثلاثة .. ارتجف قلبها وهي تنظر إليه ثم عادت تنظر له بوجل ليميل مقبلاً خدها

"ماما تحب الأخضر"

سالت دموعها بحرارة وهمست بتحشرج

"ماما تحبك أنت"

صدحت ضحكاته حولها مثيرة الطيور المختبئة وسط الأشجار لتطير مرفرفة حولهما .. اتسعت عيناها وهي تنظر لها تحلق في الفضاء الرحب قبل أن تنتبه لرفرفة رقيقة قربها .. عادت بعينيها لصغيرها ولمحت جناحين أبيضين يظهران خلف ظهره ليرتعد قلبها أكثر بينما اقترب هو بابتسامته الحلوة

"وأنا أحبك ماما"

همسها وهو يمد كفه الصغيرة إلى صدرها فشهقت وبرودتها تتسرب لقلبها .. واتسعت عيناها وهي ترى قلبها يغادر صدرها محلقاً بينهما .. يده الصغيرة مدها ينتزع فروعاً سوداء صغيرة تغلغلت في قلبها، حتى لم يُبق واحداً ومع كل لمسة منه كان قلبها يعود نقياً .. حدقت فيه بذهول تضاعف حين لامس صدره ليغادره قلبه أخضراً صغيراً .. دمعت عيناها بحرقة بينما يقترب منها بقلبه الأخضر ليغرسه وسط قلبها، لتزداد البرودة في روحها، وشهقت بقوة .. حاولت الكلام لكنّها لم تستطع .. رأته يبتعد بعد أن قبّلها هامساً

"قلب نور سيبقى هنا ماما"

أومأت باكية بينما بدأ جناحاه يرفرفان ليرفعاه عن الأرض .. نهضت بارتجاف تراه يبتعد وسط الطيور الأخرى وهذه المرة لم تحاول الإمساك به .. لوحت له بكفها مودعة وأغمضت عينيها بعدها هامسة

"إلى لقاءٍ يا حبيبي"

فتحت عينيها فجأة منتفضة مع نداء زوجها باسمها .. حدقت حولها وهي تلهث بقوة وتحسست قلبها المرتجف بين ضلوعها وتلك البرودة لا زالت داخله .. مال نحوها يسألها بقلق

"أنتِ بخير؟"

حدقت فيه بحيرة للحظات قبل أن تومئ، ومالت تنظر إلى معطفه الصغير في حضنها .. رفعته لتضمه دافنة وجهها فيه تحت أنظار زوجها القلقة .. رفعت عينيها له بعد ثوان وعاد قلبها ينبض براحة بدأت تتسلل إليه .. همست وهي تقترب لتغرس نفسها في صدره

"أنا بخير"

تنهد بارتياح وذراعاه تحيطانها باحتواء وحنان لتغمض عينيها مع وعده لها أنهما سيكونان بخير وأنهما لن ينسيا صغيرهما أبداً لكنّهما سيتعلمان الحياة من بعده على أملٍ في اللقاء بعد حين.

*********

تمت بحمد الله

15/8/2020



التعليقات

200

المشاهدات

30,000

الإعجابات

500

شرفنا بوجودك، اشترك من هنا

اقرأ أيضًا

غلاف رواية وللحبِ فرصٌ أخرى
وللحبِ فرصٌ أخرى

أحيانًا كثيرة نكابر حين نقع في الحب، نعاند ولا نعترف بسهولة أننا قد أحببنا، خاصة حين يكون من وقعنا في حبه عدوًا... وأحيانًا أخرى يضع القدر في طريقنا أ...

اقرأ المزيد